المجلس الوطني للسكان
الاستثمار في خدمات الصحة الإنجابية.. إستثمار في التنمية

يعتبر الفقر والأزمات الاقتصادية هي الشغل الشاغل على مستوى العالم وعلى المستوى المحلي إذ ترتفع معدلات الفقر بشكل مخيف في أوساط المجتمعات وهناك ارتفاع مستمر في الأسعار الذي خلف الكثير من المشكلات الاجتماعية والصحية والاقتصادية.. إلخ وباتت تهدد الخطط التنموية والمشاريع المستقبلية الإستراتيجية منها والقريبة المدى، وهنا سوف أحاول أن أثبت أن هناك ارتباط وتأثير كبيرين وعلاقات متبادلة بين الصحة الإنجابية والفقر، وان الاستثمار في الصحة الإنجابية هو خطوة حقيقية في تحقيق أهداف التنمية.

وفي هذا الإطار بذلت جهود كبيرة من قبل المؤسسات والهيئات الدولية والإقليمية في البحوث والتقارير الصادرة عنها، وأيضاً المسوح والبحوث الوطنية للتدليل على أن الفقر -بمعناه الأشمل- يؤثر سلباً في السلوك الديموغرافى والصحي للناس، وفى خصائصهم السكانية الأخرى المعرفية والمهاراتية وفى تفاعلاتهم الاجتماعية وإنتاجيتهم.. إلخ.

غير أن الجهد الأقل هو الذي بذل لتوضيح كيف أن انحسار فرص الارتقاء بالصحة الإنجابية من العوامل الفاعلة في الفقر ، وبالتالي يكون كل جهد علمي وتخطيطي للارتقاء بالصحة الإنجابية هو تعامل جدي مع أحد منابع الفقر ومواجهته في نفس الوقت.

وقبل أن نسير مع العمل الراهن يهمنا التأكيد على أن حال الصحة الإنجابية ليس السبب الوحيد، أو المقاربة الوحيدة لتفسير الفقر وبالتالي مواجهته ، فقضية الفقر في السياق الإقليمي العربي عميقة في جذورها التاريخية متشابكة وبالأساس مع أنماط توزيع الثروة والسلطة.

وثمة آليات استمرت واطردت من الاستعمار التقليدي إلى التبعية ثم إلى الهيمنة ، تواصل دورها -متفاعلة مع أخرى- في إعادة إنتاج الفقر العربي؛ مجتمعات وأفراد وجماعات.

ولهذا أكد إعلان الألفية الثالثة للتنمية الدولية ، أن من بين أهم أهدافه التي تسهم بدور هام في مواجهة الفقر ما يتعلق بأهداف ومفردات الصحة الإنجابية.

وبالنظر إلى السياسات السكانية بشكل عام باعتبار إن الصحة الإنجابية من أهم مواضيعها فإن عملية صياغة السياسات السكانية لها تأثير مباشر وغير مباشر على سرعة، وتوقيت وإنهاء التحول الديموغرافي. فتعجيل التحول الديموغرافي يمكنه نشل الاقتصاد من الفقر وتوجيهه إلى نحو مستدام.

فقد أكد المؤتمر الدولي للسكان والتنمية الذي عقد في القاهرة على الروابط العديدة بين السكان والتنمية وركز على أهمية تلبية حاجات الأفراد رجالا ونساء باعتبارها حق من حقوقهم ، فالإنسان أصبح بموجب هذه المبادئ هدف التنمية ووسيلته.

من هنا تأطرت السياسات السكانية بإطار أيديولوجي جديد يكرس مبادئ حقوق الإنسان ويقر بأن نوعية السكان هي الأساس في تحديد السياسات السكانية وليس أعداد السكان.

انطلاقا من ذلك، على البلدان العربية أن تعمل ضمن إطار الإدارة الرشيدة على زيادة فاعلية مؤسساتها في إنشاء سياسات ووضع أهداف وإجراءات تستهدف تحسين نوعية حياة الإنسان؛ وأن السياسات السكانية بمفهومها الحالي لا تنطوي بأي شكل من الأشكال على تخفيض أعداد السكان عن طريق تحقيق أهداف كمية ديموغرافية، بل أن ينظر إليها باعتبارها جزء لا يتجزأ من قضية التنمية بأكملها.

فارتفاع معدلات الخصوبة لم يعد مشكلة كمية بل أصبح ينظر إليها باعتبارها مشكلة اجتماعية نوعية ترتبط بالوضع الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي للمرأة والرجل وبمستوى تنمية الموارد البشرية وبمستوى الفقر.

بموجب هذا التحول في مقاربة قضايا السكان أصبحت السياسات التي تعمل على تمكين المرأة وتقليص الفجوة الاجتماعية والتاريخية بينها وبين الرجل وسياسات القضاء على الفقر، وسياسات الصحة الإنجابية كلها أدوات تعمل على تعجيل التحول الديموغرافي ومن خلال النهوض بقابلية الإنسان وجعله قادرا على تبني الخيارات العقلانية الخاصة بنواحي حياته المختلفة ومن ضمنها سلوكه الإنجابي وعدد أفراد أسرته وعدد الأطفال الذين يرغب في إنجابهم.

وعليه لابد ان تعمل البلدان العربية على دمج قضايا السكان في عملية التنمية من خلال اعتماد الأساليب القياسية ، حيث تشير الدراسات إلى أن سياسات تحسين دخل الفرد غير مجدية ما لم يتزامن معها توسع في خدمات الصحة الإنجابية ، فالاستثمار بمقدار دولار واحد في تنظيم الأسرة قد وفر 31 دولار من الإنفاق الحكومي ففي جمهورية مصر العربية  سدس نمو الدخل القومي  بين 1964 و 1990م  يعزى إلى برنامج تنظيم الأسرة أما إذا تكلمنا عن تأثير نتائج الصحة الإنجابية على الاقتصاد والتنمية فإن هناك الكثير من الدراسات والمسوح أكدت على وجود تأثير سلوكي على معدلات الادخار والاستثمار حيث تشير الاستقصاءات إلى أن معدلات الاستهلاك ترتفع عند الأطفال والمسنين بينما تنخفض عند السكان في سن العمل الذين يتميزون بارتفاع إنتاجيتهم وارتفاع معدل ادخارهم.

كذلك يلاحظ أن الادخار يتحدد تبعاً للمرحلة العمرية، فيبلغ معدل الادخار بين الأفراد حده الأقصى في سن الـ45 سنة، في حين ينخفض بين الأفراد الذين هم في أوائل الثلاثينات نتيجة لتزايد الاحتياجات الاستهلاكية للأسر الجديدة وهذه النتائج تؤثر تأثيراً إيجابياً على معدل الادخار الحكومي، نتيجة ارتفاع إيرادات الضرائب مع تزايد عدد السكان في سن العمل.

أما على صعيد الأسرة فان الادخار الخاص بالأسرة يعتبر النواة للتراكم الرأسمالي المطلوب لتمويل النمو، كما حصل في بلدان شرق آسيا.

أما الارتفاع في نسبة الادخار فهو بالتأكيد لا يعني ارتفاع في الاستثمار الداخلي إذ أن هذا الأخير يتجه نحو الأسواق التي توفر عائدا أعلى وكلفة أقل خاصة إذا ما اقترن ذلك بالانفتاح على الأسواق العالمية.

ومن جهة أخرى فإن ارتفاع معدل الإعالة له آثر سلبي على معدلات الالتحاق بالتعليم إذ يخفض من قدرة الوالدين على الاستثمار في تعليم أبنائهم.

كما أن ارتفاع متوسط العمر المتوقع يساهم في زيادة معدلات التعليم، إذ يزيد العوائد من التعليم ويقلل من الكلفة.

وقد أوضحت دراسة تطبيقية أجريِت عام 1999م أن متوسط عمر الإنسان المتوقع هو محدد أساسي لمعدلات الالتحاق بالتعليم فارتفاعه يؤدي إلى ارتفاع معدل العائد من التعليم كونه يحقق أرباح مستقبلية وبالتالي ترتفع أهمية وقيمة التعليم بينما يؤثر انخفاض متوسط عمر الإنسان على العملية التعليمية سلبا، إذ يجعل منها كلفة إضافية على المجتمع.

ويؤثر الانخفاض في نسبة الوفيات إيجاباً على الإنفاق على التعليم وبالتالي على النمو الاقتصادي، إذ أنه يؤدي إلى ارتفاع في القوى العاملة، وإلى ارتفاع في الادخار تحسبا لسن التقاعد الذي ينعكس بارتفاع في عوائد التعليم.

وعليه، فان بالنظر إلى قضايا السكان والصحة الإنجابية باعتبارها جزء لا يتجزأ من عملية التنمية تؤثر وتتأثر بها وقد أصبح من المبادئ الملحة التي يجب دعمها بطرق ومناهج قياسية تعزز من شأن العوامل الديموغرافية في عملية التنمية، ويعتبر تامين الدعم السياسي وتأمين التمويل والدعم من الجهات المانحة ضروري أيضا في هذا المجال.

ادويدش محمدة-2001بتول شكوري المنتدى العربي للسكان 2004م
حافظ شقير-التحول الديموغرافي في الدول العربية ومظاهرة وأثاره المسح العربي لصحة الأسرة

المجلس الوطني للسكانالمجلس الوطني للسكان