المجلس الوطني للسكان
نحو أمومة آمنة

الحمل والولادة عمليه طبيعية إلا أنها لازالت في كثير من الدول النامية رحلة محفوفة بالمخاطر حيث يموت أكثر من نصف مليون أم كل عام لأسباب تتعلق بهذا الحدث الطبيعي (الحمل والولادة) إذ تعتبر فترة الحمل والوضع خلال 42 يوما بعد الوضع هي الفترة الأكثر خطرا وخلال العقد الماضي أوضحت الدلائل إلى أن الأمومة يمكن أن تكون أكثر أمانا لجميع النساء حيث وضعت مجموعة من لاستراتيجيات وتدابير إنقاذ الحياة التي يمكن تطبيقها حتى في البيئات والمجتمعات ذات الموارد المنخفضة ووضعت لذلك معاهدات دولية وقعت عليها جميع الحكومات في سائر أنحاء العالم وقد حققت الدول ومن بينها اليمن الكثير من التقدم في خفض وفيات الأمهات إلا أن هذه النتائج لازالت غير مرضية ومازال عدد الوفيات مرتفعا بشكل غير مقبول إذ يقدر عدد وفيات الأمهات في العالم حسب الأرقام الصادرة من منظمة الصحة العالمية بحوالي 515000 امرأة تموت سنويا الأسباب تتعلق بالأمومة وتحدث 99بالمائة من هذه الوفيات في الدول النامية مما يعكس هذا المؤشر مدى التباين بين الدول النامية والمتقدمة ومما يدعو للأسى أن هذه الوفيات ليست إلا جانبا واحدا من الصورة إذ أن مقابل كل امرأة تموت ، وهناك 30 امرأة أخرى تعاني من الإصابات والعدوى وأسباب العجز أثناء الحمل أو الولادة بما يصل إلى 15 مليون امرأة سنويا على الأقل ويقدر عدد النساء المصابات كليا بنحو 300 مليون امرأة سنويا على الأقل وأكثر من ربع النساء البالغات في الدول الأقل نموا وتشمل هذه المشكلات الصحية المتعلقة بالحمل مثل أنميا الحادة ، والعقم ، والأضرار التي تصيب الرحم والجهاز التناسلي أثناء الولادة كما أن ناسور الولادة (وهو تمزق بين المهبل والقناة البولية أو المستقيم تؤدي إلى عجز دائم عن التحكم في البول أو البراز إذا لم تعالج) إذ يعتبر مدمرا بصفة خاصة للمرأة. وتجد الكثير من النساء حرجا شديدا في الحديث عن هذه المشاكل أو حتى في طلب العلاج وتزداد هذه المشاكل في أوساط الأميات والأقل تعليما.

ولهذا العدد الكبير من الوفيات أسباب كثير إذ تحدث غالبية هذه الوفيات بعد الولادة وغالبا خلال 24 ساعة من الولادة ويحدث تقريبا ربع الوفيات أثناء الحمل و 15بالمائة من الوفيات أثناء الولادة وكثر هذه الأسباب شيوعا هي النزيف وهو فقدان سريع وحاد للدم قبل الوضع أو أثناءه أو بعده ويعتبر النزيف سببا مباشرا للوفاة لأنه مرتبط بصورة مباشرة بالحمل والولادة وتعود أربعة أخماس وفيات الأمهات إلى أسباب مباشرة مثل النزيف والعدوى ، والمضاعفات المتعلقة بالإجهاض الغير المأمون والاضطرابات الناتجة عن ارتفاع ضغط الدم ولتوضيح بشكل أدق يعتبر النزيف مسئول عن 34بالمائة من الوفيات و 21بالمائة من الوفيات بسبب العدوى و 18بالمائة بسبب الاجهاض و 16بالمائة بسبب اضطرابات ضغط الدم و 11بالمائة من الوفيات يكون مسئول عنها عسر الولادة و 20بالمائة يكون سببها غير مباشرة تتفاقم بسبب الحمل مثل الملاريا أو لأنيميا أو السكر.

حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية والمؤسف أكثر أنه يمكن تجنب غالبية هذه الوفيات الناتجة عن الأسباب المباشرة إذا تلقت النساء رعاية من قبل طبيبة متدربة ماهرة في اللحظات الحرجة من الحمل وأثناء الولادة ومن المحزن أن كثير من النساء يلدن بدون مساعدة أو رعاية إذ انه تقدر حوالي 15بالمائة من الولادات تواجه مضاعفات تستلزم تدخل طبيبة ماهرة وفي اليمن تزدد هذه المخاطر بسبب الزواج المبكر والذي ينتج عنه الحمل المبكر إذ تعتبر الأم صغير السن (15-19سنة) مهددة هي وطفلها إذ كشفت الدراسات إن الفتيات تحت سن 17 سنة يكن أكثر عرضة لألام المخاض المبكر والإجهاض ووضع مولود ميت واحتمال وفاتهن لأسباب تتعلق بالحمل وتزداد أربعة أضعاف على النساء التي تتجاوز أعمارهن 20 سنة.

وتقدر وفيات الأمهات في اليمن 350 امرأة لكل مائة ألف مولود حي وهو عدد مخيف وكبير جدا مقارنة بدول المنطقة إذ يتأثر عدد الوفيات بالسياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ونظام الرعاية الصحية والتعليم وحتى الجانب الجغرافي لعب دورا في رفع عدد الوفيات في اليمن ولكن هذا كله يجعلنا أمام تحدي أكبر ومسؤولية أعظم ولا يعطينا مبررا لهذا العدد المخيف من وفيات الأمهات إلى جانب المسؤولية عن حياة هؤلاء النساء هناك عواقب وخيمة من ارتفاع وفيات الأمهات.. عواقب اجتماعية واقتصادية على الأسرة والمجتمع على حد سواء إذ تفقد الأسرة دور المرأة الحاسم في إدارة البيت ورعاية الأطفال وباقي أفراد الأسرة وبذلك فإن الأسرة التي تفقد الأمهات تعاني على الأرجح من تدني الوضع الغذائي وتأثر معدلات التحاق الأبناء الباقين بالمدارس وحتى الأمراض التي تصيب الأم مثل الأنيميا وسؤ التغذية تؤثر وبشكل مباشر على الأطفال المولودين ويعانون من أمراض سوء التغذية ويكونون أقل وزنا عند الولادة وهو ما يرتبط بإعاقات أثناء النمو وأسباب العجز والموت المبكر حيث أوضحت الدراسات أن الأطفال الجدد الذين يولدون وتموت أمهاتهم أقل إحتمالا للبقاء على قيد الحياة وتعتبر الرعاية أثناء الحمل والولادة الغير كافية مسئولة إلى حد كبير عن وفاة ما يقدر عددهم بثمانية ملايين من الأجنة والأطفال حديثي الولادة في العالم كل عام.

ويتأثر الأطفال الأكثر سننا بوفاة أمهاتهم حيث أوضحت دراسة أجريت في بنجلادش إلى أن الأطفال تحت سن العاشرة الذين تتوفى أمهاتهم يكونون أكثر عرضة للموت عشرة أضعاف أولئك الذين تعيش أمهاتهم ويخسر المجتمع بالمقابل عضوا منتجا كما تفقد عملها المدفوع الأجر أو غير المدفوع الأجر ويخسر الاستثمار في صحتها وتعليمها ومساهمتها في الاقتصاد وكما ذكر سابقا يمكن تجنب هذا العدد الكبير من الوفيات بتعزيز برامج الصحة الإنجابية وتعزيز نظام الرعاية للوصول إلى حق كل أم وكل امرأة بحق التمتع بأمومة آمنة.

د. فهد محمود الصبري

مواضيع ذات صلة
المجلس الوطني للسكانالمجلس الوطني للسكان